كيف يبدو الموقف الأمريكي من التصعيد العسكري الجديد في اليمن؟

شهد الموقف الأمريكي تجاه التصعيد العسكري الجديد في اليمن تطورات لافتة، بعد التقدم العسكري لجماعة "الحوثيين" على الساحل الغربي والسيطرة على مناطق استراتيجية قرب باب المندب، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية.
وفي الوقت الذي تطالب فيه الرياض واشنطن بمزيد من الدعم العسكري، تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مترددة في الانخراط المباشر في جولة جديدة من الضربات ضد الحوثيين.
ترامب: الحوثيون لا يريدون قتالنا
في 12 سبتمبر/أيلول 2026، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العاصمة الأيرلندية دبلن إلى جانب رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن، وقال إن الحوثيين "اتصلوا بنا، وهم لا يريدون القتال معنا"، مضيفا أن الجماعة "تسمح بمرور السفن"، وأن الوضع "سيسير على ما يرام وبشكل رائع".
وفي 14 سبتمبر/أيلول، قال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن الولايات المتحدة أجرت محادثات مباشرة مع الحوثيين بشأن التطورات الأخيرة في اليمن، مؤكدا في الوقت ذاته أن واشنطن تتواصل مع السعودية بشأن ما يجري.
وأوضح فانس أن الولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء سيطرة الحوثيين على جزيرة ميون، مشيرا إلى أن واشنطن تتابع التطورات الميدانية عن كثب.
اتصالات مباشرة بين واشنطن والحوثيين
وفي تطور حديث، كشفت وكالة رويترز في 16 سبتمبر/أيلول أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في العاصمة العمانية مسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، في اجتماع لم يعلن عنه مسبقا.
وبحسب خمسة مصادر مطلعة تحدثت للوكالة، عقد الاجتماع في السفارة الأمريكية بمسقط، فيما ساعدت الحكومة العمانية في ترتيب اللقاء.
ووفقا لمصدرين، أبلغ ممثلو الحوثيين المسؤولين الأمريكيين بأنهم لا ينوون مهاجمة السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون باتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلوا إليه مع واشنطن عام 2025.
واشنطن تركز على الملاحة
وفي 17 سبتمبر/أيلول، أوضح مسؤول أمريكي رفيع أن الولايات المتحدة تركز على ضمان الملاحة في البحر الأحمر، وإفساح المجال أمام شركائها للتعامل مع التحديات الأمنية.
وأكد المسؤول استمرار التواصل مع السعودية والحكومة اليمنية بشأن الاستقرار الإقليمي، متوقعا أن يلتزم الحوثيون بوقف إطلاق النار المبرم معهم.
السعودية تضغط وترامب يتراجع
وتكشف التطورات الأخيرة أن الموقف الأمريكي لم يكن مستقرا بصورة كاملة، إذ ظل ترامب مترددا بين الاستجابة للضغوط السعودية وتجنب الانخراط العسكري المباشر.
فبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، ظل ترامب يفكر على مدى نحو أسبوعين في الاستجابة للطلبات السعودية والتدخل عسكريا ضد الحوثيين، خصوصا مع تصاعد الهجمات على المملكة.
وتقول الصحيفة إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالا جديدا مع ترامب يوم الخميس الماضي، طالبه فيه بالتدخل لكبح هجمات الحوثيين، وذلك بعد يوم من اجتماع لترامب مع مستشاريه أبلغهم خلاله بأنه لا يؤيد شن ضربات جوية على الجماعة.
لكن موقف ترامب تغير بعد الاتصال، حيث أمر وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" بالاستعداد لشن غارات جوية على أهداف حوثية.
وبحسب الصحيفة، وافق القادة العسكريون على قوائم الأهداف، وبدأت القوات في تحميل القنابل على الطائرات الحربية التي اختيرت لتنفيذ المهمة، فيما كانت الضربات على وشك البدء.
وبحلول ظهر الأحد الماضي، تراجع ترامب مرة أخرى، وقرر عدم المضي في العملية، لتؤكد مصادر في الإدارة الأمريكية أن الولايات المتحدة لن تشن غارات جوية على الحوثيين "على الأقل في الوقت الراهن".
وامتنع المكتب الصحفي للبيت الأبيض عن التعليق رسميا على مداولات ترامب، فيما اكتفى مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية بالقول إن لدى الولايات المتحدة اتفاقية دفاعية مع السعودية، وإنها "ستدافع دائما عن حلفائها".
وتعكس هذه التطورات تباينا في حسابات واشنطن تجاه التصعيد الجديد، بين الحرص على حماية مصالحها وحركة الملاحة في البحر الأحمر، وتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط السعودية للتعامل مع الهجمات الحوثية.
تجنب الاستنزاف
وتعليقا على ذلك، يقول الباحث السياسي الدكتور فارس البيل إن:" طبيعة المعركة الحالية تجعل الموقف الأمريكي تجاه القضية اليمنية مرتبطا بالعديد من العوامل، خصوصا في ظل المواجهة الدائرة مع إيران".
وأضاف لـ"المهرية نت" أن:" الإدارة الأمريكية ترى أن مواجهة الحوثيين عسكريا تمثل عبئا إضافيا، وأن فتح جبهة جديدة قد يكلفها كثيرا سياسيا وماديا، خصوصا قبيل الانتخابات النصفية".
وتابع أن" واشنطن تدرك أن مواجهة الحوثيين قد تكون نوعا من الاستدراج إلى الاستنزاف من قبل إيران، ولذلك تحاول إشراك دول المنطقة في التعامل مع هذه التطورات وتحمل جزء من أعبائها".
الضغط على السعودية عبر الحوثيين
ولفت البيل إلى أن، الولايات المتحدة تسعى إلى الاستفادة من وصول الحوثيين إلى مضيق باب المندب للضغط على المملكة العربية السعودية، خصوصا فيما يتعلق بالاتفاقية الإبراهيمية و"اتفاق مكة"، بما يسهم في تفعيل الاتفاقية الأمنية بين واشنطن والرياض.
وأوضح أن "الإدارة الأمريكية تنظر إلى المشكلة اليمنية باعتبارها جزءا من الملف الإيراني، وترى أن المملكة العربية السعودية معنية بحل هذا الإشكال".
وأردف" كما تعتقد أن مشكلة الحوثيين يمكن حلها بصورة أبسط، ولذلك سارعت إلى التواصل مع الحوثيين بعد وصولهم إلى مضيق باب المندب، لضمان عدم إرباك حركة التجارة والطاقة في المضيق، خصوصا قبيل الانتخابات النصفية".
وأشار إلى أن المملكة تراعي عدم الرد على الحوثيين، رغبة في إتاحة المجال أمام الإدارة الأمريكية لإيجاد حلول يشارك فيها الجميع، باعتبار أن ما يحدث لا يمثل مشكلة يمنية سعودية فقط، فمضيق باب المندب ممر مائي عالمي.
حماية السعودية من خيارات أخرى
وفي المقابل، يرى البيل أن الولايات المتحدة ستتجه في النهاية إلى حماية المملكة العربية السعودية، لأنها لن ترغب في خسارة هذا الحليف، مشيرا إلى أن هناك توازنات تدفع واشنطن إلى تجنب ترك المملكة أمام خيارات أخرى، خصوصا أنها لن تقف مكتوفة الأيدي.
وأفاد البيل أن التوقيت سيكون عاملا مهما في أي تدخل أمريكي، مؤكدا أن إيران صعدت، قبيل الانتخابات الرئاسية، لأنها تدرك أن التصعيد قد يربك حسابات الجمهوريين، ولذلك قد يتأجل الصراع إلى ما بعد الانتخابات.
واختتم حديثه قائلا: "واشنطن لن تكتفي بالتعاون الأمني وتبادل المعلومات والدعم اللوجستي، بل قد تتدخل أيضا إذا شعرت بأن المملكة العربية السعودية قد غضبت، وصولا إلى الدخول مباشرة في مواجهة مع الحوثيين".
المصدر: المهرية نت





