آخر الأخبار

الغارات لا تحسم المعركة.. هل يستطيع القصف الجوي تغيير موازين الحرب في اليمن؟

الغارات لا تحسم المعركة.. هل يستطيع القصف الجوي تغيير موازين الحرب في اليمن؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

مع اتساع نطاق المواجهات في اليمن وتصاعد الهجمات المتبادلة بين جماعة الحوثيين والسعودية، تدخل المعركة مرحلة جديدة تتزامن فيها الضربات الجوية مع تحركات ميدانية على عدد من الجبهات، خصوصًا في تعز والجوف ومأرب والساحل الغربي.

وخلال الأيام الأخيرة، كثفت القوات الحكومية اليمنية غاراتها الجوية على مواقع وتجمعات للحوثيين، بالتزامن مع استمرار الجماعة في شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الأراضي السعودية.

وفي أحدث تطور، أعلن الحوثيون أن الطيران السعودي شن 28 غارة خلال 24 ساعة على محافظات تعز والجوف ومأرب، وقالوا إن إجمالي الغارات منذ بدء التصعيد بلغ 760 غارة. وهذه الأرقام صادرة عن الجماعة ولم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.

وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية خلال الأيام الماضية تنفيذ ضربات جوية على مواقع للحوثيين في تعز والساحل الغربي، ضمن ما وصفته بـ"صندوق القتل"، بالتزامن مع استمرار المواجهات البرية في مناطق المخا وذو باب وكهبوب ومناطق أخرى غربي تعز.

لكن تصاعد وتيرة الغارات يفتح سؤالًا يتجاوز حجم الضربات وعدد الأهداف المستهدفة: إلى أي مدى يمكن للقوة الجوية وحدها أن تغيّر ميزان القوى على الأرض، إذا لم تترافق مع تحرك بري قادر على استثمار نتائج القصف وتثبيت السيطرة؟

الغارات لا تعني تغييرًا في ميزان القوى

يرى الكاتب والباحث السياسي توفيق الجند أن الغارات السعودية الأخيرة لا تبدو، وفق المعطيات التي يستند إليها، مرتبطة بصورة مباشرة بالتطورات العسكرية على جبهات الساحل الغربي أو بتبادل القصف على خطوط التماس، وإنما جاءت في سياق عمليات استهدفت قيادات حوثية داخل صنعاء.

وقال الجند، في تصريح لقناة "المهرية" نقلًا عن برنامج "التاسعة"، إن العملية التي شهدتها صنعاء لم تكن عملية إنزال جوي أو كوماندوز، وفق ما تداولته بعض وسائل الإعلام، وإنما تضمنت تحركات برية تزامنت مع تحليق مكثف للطيران فوق العاصمة لأغراض الاستطلاع والمراقبة ومتابعة التحركات الميدانية.

وبحسب الجند، استهدفت العملية قيادات ميدانية حوثية، ما يجعلها أقرب إلى نشاط أمني واستخباراتي محدد منها إلى عملية عسكرية واسعة تستهدف تغيير خريطة السيطرة.

ويرى الجند أن التطورات في مأرب والجوف والبيضاء وتعز وغربي لحج لم تصل، حتى الآن، إلى مرحلة يمكن معها الحديث عن تغيير جوهري في ميزان القوى.

وتكشف هذه القراءة، عن فجوة بين كثافة القصف والنتائج الميدانية؛ إذ إن تدمير مواقع أو استهداف تجمعات عسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على السيطرة على الأرض أو تثبيت مكاسب جديدة، ما لم تتوافر قوات برية قادرة على استثمار نتائج الضربات.

ووفق محللون، تزداد صعوبة حسم المعركة الجوية أمام جماعة مسلحة تعتمد على الانتشار المتحرك والعمل من مواقع متفرقة، بدل الاعتماد الكامل على قواعد ومنشآت عسكرية ثابتة يمكن استهدافها بصورة مباشرة.

ويشير الجند إلى أن الحوثيين خاضوا سنوات طويلة من الحرب والغارات الجوية، وهو ما دفعهم، بحسب تقديره، إلى تطوير أساليب للانتشار وإخفاء المعدات وإعادة توزيع القوات بين الجبهات.

ويعني ذلك أن الغارات يمكن أن تُلحق أضرارًا بالمواقع والمعدات وتستهدف قيادات أو تجمعات، لكنها لا تؤدي بالضرورة، بمفردها، إلى انهيار القدرة القتالية للجماعة أو تغيير خطوط السيطرة.

وتبرز هنا أهمية العامل البري؛ فالطيران يستطيع ضرب الهدف، لكنه لا يستطيع وحده السيطرة على الأرض، وتأمين الطرق، وملاحقة القوات المنسحبة، ومنع إعادة الانتشار، أو إدارة المناطق التي يتم الاستيلاء عليها.

الاختبار يبدأ بعد انتهاء الغارة

ويذهب أكاديمي وخبير عسكري مقيم في صنعاء، تحدث لـ"المهرية نت" وفضّل عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، إلى أن تجربة السنوات الماضية أظهرت قدرة الحوثيين على الحفاظ على جزء كبير من قدرتهم القتالية رغم الحملات الجوية الواسعة.

ويربط الخبير ذلك، من بين عوامل أخرى، بطبيعة الجغرافيا اليمنية وانتشار القوات وقدرتها على العمل من مواقع متفرقة، إضافة إلى ما وصفه بالدعم الخارجي الذي تتلقاه الجماعة. ويقول الخبير إن المشكلة الأساسية لا تتعلق بقدرة الطيران على تدمير هدف محدد، وإنما بما يحدث بعد انتهاء الغارة.

ويضيف أن الطائرات تستطيع استهداف تجمعات أو مخازن أو آليات ومواقع عسكرية، لكنها لا تستطيع بمفردها تثبيت السيطرة على منطقة أو تأمين الطرق ومنع إعادة انتشار الخصم وملء الفراغ الذي تتركه الضربات.

ويستشهد الخبير بجبهة الساحل الغربي، مشيرًا إلى أن كثافة الضربات الجوية لم تكن، بحد ذاتها، كافية لتحقيق تقدم بري حاسم واستعادة مناطق استراتيجية، في إشارة إلى المخا ومحيطها.

وتشير المعطيات المنشورة خلال سبتمبر إلى أن المخا ومحيطها شهدت بالفعل غارات جوية متكررة، بالتزامن مع مواجهات واستمرار محاولات الحوثيين التقدم على محاور الساحل الغربي وكهبوب وذو باب. 

ويضيف الخبير أن المعطيات الميدانية خلال التصعيد الحالي لا تشير إلى توقف العمليات الحوثية نتيجة تكثيف الغارات؛ إذ استمرت المواجهات والهجمات على عدد من الجبهات، بالتزامن مع استمرار الجماعة في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه السعودية.

ويعكس استمرار الهجمات، وفق قراءة الخبير، أن تأثير الضربات الجوية لا يقاس فقط بعدد المواقع التي تم تدميرها، وإنما بمدى قدرتها على تعطيل منظومة القيادة والسيطرة ومنع الخصم من إعادة تنظيم قواته ومواصلة عملياته.

وأوضح أن القوة الجوية لا تعني عديمة الجدوى. فالضربات يمكن أن تدمر مواقع وآليات، وتعطل خطوط الإمداد، وتحد من حركة القوات، وتوفر معلومات وإسنادًا مباشرًا للقوات البرية، لكن قيمتها الاستراتيجية تصبح أكثر ارتباطًا بما تستطيع القوات الموجودة على الأرض فعله بعد الضربة.

وبالنسبة للحوثيين، فإن قدرتهم على مواصلة القتال لا ترتبط فقط بحجم الخسائر البشرية والمادية التي يتكبدونها، وإنما بقدرتهم على الحفاظ على منظومة القيادة والسيطرة، وإعادة الانتشار، واستمرار العمليات الصاروخية والمسيّرة.

ووفق مراقبون فإن بقاء العمليات الجوية منفصلة عن تحرك بري منظم، فقد تظل نتائجها في نطاق الإضعاف والاستنزاف وإلحاق أضرار تكتيكية بالحوثيين. أما إذا ترافقت مع عملية برية قادرة على استثمار نتائج القصف وتثبيت المكاسب، فإن ذلك قد ينقل المعركة من مجرد تبادل للضربات إلى محاولة لإعادة رسم موازين السيطرة على الأرض.

المصدر: المهرية نت+ مصادر مفتوحة

تابعنا على :