آخر الأخبار

الكتاب في مواجهة الخراب

الاربعاء, 25 أكتوبر, 2023

(1-2)
تعددت اشكال مقاومة اليمنيين المدنية للحرب وارتداداتها في السنوات التسع الماضية، على نحو المبادرات المجتمعية في شق الطرق واستمرار التعليم، وانتاج الطاقة، والتطبيب، ومزاولة أعمال ومهن جديدة غيرها.. ولم تقف هذه المبادرات الفردية والجماعية عند فعل الذكور فقط، فقد كان للمرأة أدوارها المتقدمة في هذه المبادرات لتجاوز كل الكوابح التي رافقت حضورها الجنوسي اما بخوضها غمارات جديدة في الكفاح المعيشي في مهن كانت مقتصرة على الذكور دون غيرهم  أو بالاستمرار في عطائها المجتمعي من خلال المواقع التي تتبوأها  كناشطة أو قائدة في المجتمع، والمتتبع لقصص النجاح التي تنشر هنا وهناك يمكن أن يجد عشرات النماذج التي تعزز هذه الصورة غير النمطية عن المرأة، ولأن هذه الحالة ليست للتناول في هذه المساحة سنتركها لتتبع أخر، وسنخوض في جوانب فعل مدني مقاوم لا يلتفت إليه كثيراً رغم أهميته. 

فمن أوجه المقاومة المدنية في سنوات الحرب، ولم يلتفت إليها، تلك التي قادها مثقفون وأدباء( من الجنسين) وتمثلت في انتاج الكتاب وتسويقه بسبل شتى. فعلى الرغم من المتاحات التقنية المتعددة أمام الكتَّاب والأدباء في التعريف بنتاجاتهم الابداعية ( أدبية وغير أدبية) عبر تقانة التواصل  إلا أن الكثير منهم اختار الطريق ذي المشاق المتعددة  وهو الكتاب الورقي الذي صار يواجه  اليوم تحديات انتاجية وتسويقه كثيرة في واقع متبدل يضع الأولوية للقراءة المرقمنة والتسويق الإلكتروني في فضاء غير متعين الملامح.

 ارتبط الكتاب الورقي بتاريخ طويل من صناعة الوعي عند أجيال متعاقبة من القراء والمتلقين، لكنه ومنذ بداية الثورة الرقمية تراجع بشكل كبير، وصار يُتلقف ويُقرأ ( كمحتوى) عبر والوسائط السهلة العابرة لجهات الرقابة، وأكلاف النقل والتسويق والتبادل وغيرها. وفي اليمن بقيت مشكلة صناعة الكتاب وتسويقه واحدة من معضلات الحياة الثقافية طيلة خمسة عقود، فمحدودية دور النشر الرسمية وغير الرسمية وضعف التسويق وطبيعة المنتج (الأدبي إجمالاً)ضاعف من المشكلة، فكان أن يتزود القراء والباحثين والمهتمين مما تتيحه معارض صنعاء وبعض المدن للكتاب السنوية، فجاءت سنوات الحرب لتبدد هذه الحالة تماماً، وتغلق كل منافذ وصوله مع المطبوعات الصحفية الأخرى ( مجلات وجرائد).

اغلقت معظم المكتبات الخاصة التي كانت توفر الكتاب أبوابها في معظم المدن، وتوقفت أهم دور النشر ،على ندرتها، عن العمل، وتوقف تزويد المكتبات العامة بالجديد إلى جانب تعرض محتوياتها السابقة للتجريف والنهب، والأخطر أن المؤسسات والجهات الثقافية تعطلت تماماً ولم تعد تقوم بأدوارها الحقيقية. ومع كل هذا الاعتام يمكن مشاهدة نقاط ضوء هنا وهناك تعيد الاعتبار للكتاب الورقي، لأنها ام تزل تؤمن بدوره في صناعة الوعي ولو من أبسط  المتاحات والممكنات.

خلال عام واحد أمكنني متابعة ما يقترب من ستين إصدار ورقي لأدباء وكتاب واكاديميين وباحثين تنوعت بين الأدب والنقد والسياسة والاجتماع والفلسفة والترجمة والتاريخ والفنون، من أجيال مختلفة(نساء ورجال)، وصدرت عن دور نشر يمنية وغير يمنية في الداخل والخارج، وتنشط بعض الدور اليمنية منها في معارض نشر مهمة في عواصم عربية مختلفة. صحيح أن محدودية وصول مثل هذه الاصدارات إلى اليمن واضح جداً، وإن الكميات المطبوعة من العناوين قليلة أيضاً، لكنها في نهاية المطاف أدت دوراً محورياً في رد الاعتبار للكتاب الورقي الذي تعرض لأبشع أنواع التغييب والمصادرة.

من محامد هذه المتابعة أني تعرفت على اسهامات بعض الكاتبات اليمنيات والتي أقرأ لبعضهن للمرة الأولى ،إلى جانب كاتبات معروفات أعدن التذكير بتجاربهن من خلال كتب جديدة، وكما هو متوقع وطبيعي فقد انشغلت معظم هذه الكاتبات إن لم نقل كلها في فضاء الأدب (سرد وشعر)، ومن هذه الإعمال عمل رواية ليلى السياغي المعنونة "رحلة مليون شلن.. خمسين دولاراً" والتي تخوض في قضايا الهجرة واللجوء والتهريب وما يرافقها من تعديات عنصرية واغتصاب، ومجموعة سينا الروسي ( دوامة الكوابيس) وفيها تعرض لشخصياتها النسائية والذكورية التي تعيش في دواماتها الكابوسية وسوداويتها ، وقليلاً ما يتسرب الفرح إلى  أوقاتها.

الرواية الأولى للكاتبة انصاف أبو راس حملت عنوان ( امرأة وحربان)، وتكشف كيف أن الطفولة التي عاشتها البطلة في زمن الحرب جعلتها تخلع فيها ثوب البراءة لتلبس ثوب المكابدة والشقاء. اللعب على حرف الراء في كلمة الحرب بكل فظائعها قد تصير في حال اعدامها اللفظي حباً يانعاً، وهو ما يبحث عنه الجميع في زمن الخراب الذي انتجته حالة الحرب.

بعد مجاميعها الشعرية "الوقت صفر، الى آخره، ثورة الصمت، تعويذة انسانية"  أصدرت الشاعرة هناء محمد راشد مجموعتها الخامسة التي حملت  عنوان " ملاذ سريالي" ، واحتوت على نصوص قصيرة متشعبة، ومن ملامحها البارزة أنها اتخذت من أساليب الكتابة الجديدة" قصيدة النثر" اتجاهاً تعبيرياً واضحاً.

القاصة نبيهة محضور أصدرت مجموعة قصصية عنونتها بـ(هوس) احتوت على قرابة مائة نص تقترب من الومضات الحادة المكثفة التي تقوم على المفارقة، ملتقطة من التداعيات والمشاهدات اليومية التي تعصف بها الفوضى.

 القاصة والكاتبة إيمان عبد الوهاب حُميد، اصدرت عن دار نشر تنشط في ألمانيا كتاب عنونته بـ ( إشارات) وهو عبارة عن مجموعة من المقالات الثقافية والأدبية التي نشرتها خلال السنوات الماضية في الصحف والدوريات، وتستعيد فيه البردوني ،وأمل دنقل، وكامل الشناوي، ومحمد عبد الولي وغيرهم
الشاعرة هدى أبلان أصدرت عن دار أردنية مجموعتها الشعرية السابعة التي حملت عنوان "كيُّ الأوجاع الرثة"، وراكمت فيه على تجربتها الشعرية التي تنحاز كلية للكتابة الجديدة ( قصيدة النثر)
(يتبع)

المقال خاص " بالمهرية نت" 

لماذا يشوهون عدن الجميلة؟!
الأحد, 10 ديسمبر, 2023
الجبايات بموازين حسَّاسة!
الأحد, 26 نوفمبر, 2023