آخر الأخبار

لماذا كان الحزب الاشتراكي أول من رفع شعار "الوحدة أو الموت"؟

عبدالسلام قائد

عبدالسلام قائد

 
شارك الخبر:

انهار النظام الاشتراكي في جنوب اليمن وفي أثيوبيا لأسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها تراجع الدعم السوفياتي، بالإضافة إلى أزمات داخلية عميقة.

"الوحدة أو الموت"، هذا الشعار كان أول من رفعه الحزب الاشتراكي اليمني عبر صحيفته الرسمية، الثوري، عندما كانت الوحدة بالنسبة له مغنما وهروبا من أزمة اقتصادية خانقة يمر بها.

كان حكام الشطر الجنوبي يتشددون في مسألة تحقيق الوحدة، خصوصا فيما يتعلق بنظام الحكم، إذ كانوا يشترطون أن تكون دولة الوحدة "اشتراكية" ومنخرطة في المعسكر الشرقي، لكن في أواخر الثمانينيات حدث تحول كبير جعلهم يهرولون نحو الوحدة الاندماجية هروبا من أزماتهم الداخلية المتفاقمة وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية، يتمثل هذا التحول في توقف الدعم السوفياتي، عندما قال وزير الخارجية السوفياتي، إدوارد شيفرنادزه، عبارته الشهيرة: "لسنا حضانة أطفال"، خلال نقاشات مع قادة دول الكتلة الاشتراكية الذين كانوا يعتمدون على الدعم السوفياتي السياسي والاقتصادي والعسكري، وكان المقصود أن موسكو لن تستمر في تحمل أعباء الأنظمة الحليفة أو التدخل لإنقاذها، كما حدث سابقا في المجر عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا عام 1968.

وقد ارتبطت تلك العبارة، "لسنا حضانة أطفال"، بسياسة جورباتشوف وشيفرنادزه القائمة على إنهاء الوصاية السوفياتية على المعسكر الاشتراكي، وهذا التحول ظهر بوضوح عام 1989، خصوصا مع ما عُرف بـ"مبدأ سيناترا"، حين سمح الاتحاد السوفياتي للدول الاشتراكية بأن تسلك طريقها السياسي والاقتصادي الخاص دون تدخل سوفياتي مباشر، وهو ما عجّل بانهيار الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية.

كما انهار النظام الاشتراكي في جنوب اليمن وفي أثيوبيا لأسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها تراجع الدعم السوفياتي، بالإضافة إلى أزمات داخلية عميقة.

ففي جنوب اليمن، كان النظام الاشتراكي يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات السوفياتية اقتصاديا وعسكريا وسياسيا. ومع وصول ميخائيل جورباتشوف إلى السلطة، وسياسة تقليص الإنفاق الخارجي، فقد النظام الاشتراكي في جنوب اليمن الدعم السوفياتي، كما كان الجنوب نفسه يعاني من صراعات داخلية دامية داخل الحزب الاشتراكي، خصوصا أحداث 13 يناير 1986 وما تبعها من عنف وفق الفرز المناطقي تسبب بموجات نزوح كبيرة، بالإضافة إلى أزمته الاقتصادية الحادة، والعزلة الإقليمية، وضعف القدرة على الاستمرار كدولة منفصلة.

ولذلك اتجهت القيادة الجنوبية (الاشتراكية) نحو مشروع الوحدة الاندماجية مع الشمال عام 1990 باعتباره مخرجا سياسيا واقتصاديا، ولأجل ذلك رفعت لاحقا شعار "الوحدة أو الموت". وعندما ظهر النفط في حضرموت، تراجعت القيادة الاشتراكية عن الشعار الذي رفعته سابقا، واتهمت من تصفها بالقوى الشمالية برفعه، مع أن الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح كان يردد ذلك الشعار بعد أن رفعه الاشتراكيون.

وغير بعيد من جنوب اليمن، كان نظام منغستو هيلا مريام، في أثيوبيا، يعتمد بشدة على السلاح والدعم السوفياتي خلال الحرب الأهلية والحروب الإقليمية. وعندما خفض السوفيات دعمهم، فقد النظام عموده الأساسي، ووجد نفسه وحيدا أمام حروب داخلية تستنزف الدولة، ومجاعات وأزمات اقتصادية تضرب البلاد، بينما الحركات المتمردة تتوسع عسكريا. وفي عام 1990، سقط نظام منغستو الاشتراكي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي نفسه تقريبا.

وهكذا يتضح أن توقف الرعاية السوفياتية كان عاملا حاسما في انهيار جميع الأنظمة الاشتراكية، من أوروبا الشرقية إلى أثيوبيا وجنوب اليمن، كما كشف ذلك التوقف هشاشة داخلية كانت موجودة أصلا في تلك الأنظمة، وهذه هي الظروف التي جعلت الحزب الاشتراكي اليمني يهرول نحو الوحدة الاندماجية عام 1990 بعد أن ظل يضع أمامها الشروط والعقبات طوال عشرين عاما، وفجّر حربين شطريتين لتحقيق الوحدة بالقوة وفقا لرؤيته، وكاد في إحداهما، وهي حرب عام 1979، أن يحقق انتصارا حاسما بعد أن اخترقت قواته الأراضي الشمالية، وتحديدا في تعز والبيضاء، مما دفع الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح إلى القيام بجولة عربية شملت الكويت والعراق وسوريا طلبا للوساطة ووقف الحرب.

وقد أثمرت تلك الجهود في توقيع اتفاقية وحدوية شاملة بين الشطرين، وهي اتفاقية الكويت، بتاريخ 30 مارس 1979، برعاية جامعة الدول العربية، وتبعتها عدد من الاتفاقيات، حتى تهيأت الظروف المحلية والدولية المتمثلة في تراجع الدعم السوفياتي والأزمات الداخلية في جنوب اليمن لتحقيق وحدة فورية اندماجية، رفع الاشتراكيون بعدها شعار "الوحدة أو الموت" الموثق في صحيفتهم الرسمية، قبل أن يتراجعوا عنه، ثم اتهموا الآخرين برفعه، بعد ظهور النفط في حضرموت بكميات كبيرة، وطمعهم في الاستئثار به لمصلحة قيادة الحزب.

المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك

تابعنا على :