سبتمبر من مشروع وطن إلى صراع الهويات!

أحمد ناصر حميدان
بعد أربعة وستين عامًا من ثورة سبتمبر، يلحّ سؤال: لماذا استطاعت الثورة أن توحّد اليمنيين حول مشروع وطني، ثم عجزنا عن حماية هذا المشروع من الانقسام؟
بعد أربعة وستين عامًا من ثورة سبتمبر، يلحّ سؤال: لماذا استطاعت الثورة أن توحّد اليمنيين حول مشروع وطني، ثم عجزنا عن حماية هذا المشروع من الانقسام؟
حين قامت سبتمبر، لم تكن القضية قبيلة أو منطقة أو مذهبًا، بل كانت قضية أكبر من الجميع: التحرر من الإمامة، وإقامة الجمهورية، وبناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة. وفي الجنوب، حملت ثورة أكتوبر المعنى ذاته في مواجهة الاستعمار، فالتقى اليمنيون حول هدف يتجاوز هوياتهم الصغيرة.
لكن بعد ذلك بدأ المشروع الوطني يتراجع أمام الصراع على السلطة والثروة والنفوذ، وعادت العصبيات: القبلية والمناطقية والمذهبية والحزبية. فتحوّل الاختلاف من وسيلة لبناء الدولة إلى وقود للصراع، وأصبح ما يجمعنا أضعف مما يفرّقنا.
وهنا تكمن إحدى مشكلات الثورات: الثورة لا تحميها الشعارات، وإنما يحميها الوعي والنضج والمبادئ.
فالثورة ليست هتافًا ولا صراخًا ولا كثرةً في الاتهامات، بل هي قدرة على تحويل الرغبة في التغيير إلى واقع أفضل: من الاستبداد إلى الدولة، ومن العصبية إلى المواطنة، ومن الإقصاء إلى الشراكة، ومن الصراع على الغنيمة إلى التنافس على خدمة الناس.
وحين يسقط الوعي، تسقط معه القيم والأخلاق، ويتحوّل الفعل الثوري إلى انقسام يستنزف أهدافه. وهذا درس لا يخص سبتمبر وحدها، بل يمتد إلى أكتوبر، وإلى مختلف مراحل التغيير التي عرفها اليمن، وصولًا إلى فبراير والحراك الجنوبي.
لذلك فإن السؤال اليوم ليس فقط: ماذا حققت الثورة؟ بل: ماذا فعلنا نحن بأهدافها؟
النضج السياسي يبدأ حين ندرك أن الوطن أكبر من القبيلة والمنطقة والمذهب والحزب، وأن مشروع الدولة أوسع من كل الهويات الصغيرة، وأن الاختلاف يمكن أن يكون طريقًا للتعدد والشراكة، لا ذريعة للصراع والتدمير.
لقد توحّدنا حين كانت قضيتنا أكبر من انتماءاتنا. واليوم، لن نستعيد معنى الثورة إلا حين يصبح الوطن أكبر من قبائلنا ومناطقنا ومذاهبنا وأحزابنا؛ فمتى يتوحّد وعينا بالثورة، ومتى نتوحّد من أجل وطن أفضل؟
المصدر: المهرية نت

