حين تتفتح حروفي كأزهار الربيع
عبدالسلام قائد
الكتابة انعكاس للمشاعر، والمشاعر تتولد من البيئة المحيطة بنا.. ولذلك فأنا إذا أردت الكتابة عن الجمال.
يقال إن الكتابة فن ترويض الكلمات، وإن القراءة فن البحث عن الذات بين السطور.. وبالنسبة لي فالكتابة هي فن العزف على قيثارة الحروف، والقراءة رحلة جميلة في حدائق العلوم وبساتين المعرفة.
الكتابة انعكاس للمشاعر، والمشاعر تتولد من البيئة المحيطة بنا.. ولذلك فأنا إذا أردت الكتابة عن الجمال فلن أستطيع فعل ذلك وأنا محاط بالقبح، فأنا لا أغني إلا بين الغصون المزهرة، وكلماتي لا ترفرف إلا فوق أعشاب الربيع، وحروفي لا تنطلق إلا لتقطف الورود وتمتص رحيقها.
وعندما أمسك القلم لأكتب أشعر أنني نهر صغير يبحث عن مصبه في المعنى وليس إنسانا عابرا في هذا العالم، كما أنني مهووس بالقراءة منذ طفولتي كما يُهوَس المحب بملامح حبيبته، أفتح الكتاب وأتنفس الحروف كما لو كانت هواء نقيا هبط لتوه من أعالي الجبال، وأذوب في النص حتى لا أعرف: هل أنا أقرأ أم أن الكلمات هي التي تقرأني؟
القراءة عندي زلزال هادئ، وربيع خفي، ونافذة تطل على حدائق لم تطأها قدماي بعد.. يقول فرانز كافكا: "الكتاب يجب أن يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد في داخلنا".. وأنا ما قرأت يوما كتابا حقيقيا إلا وسمعت في أعماقي صوت الجليد وهو يتشقق، ورأيت ماء دافقا يسيل من شقوق الروح.
وبعض الكتب تمثل تذاكر سفر، وكأن كل صفحة طريق فسيح، وكل سطر قطار كبير، وكل بطل في رواية رفيق رحلة جميلة، وكل غانية في قصيدة لوحة تختزل جمال الطبيعة.. وقد قال مارسيل بروست يوما: "رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تكمن في البحث عن مناظر جديدة، وإنما في امتلاك عيون جديدة".. وأنا عندما أسافر عبر صفحات الكتب وأدب الرحلات أشعر وكأنني أبدل نظارتي القديمة بأخرى شفافة أرى بها العالم طريا كما ترسمه الكلمات والحروف.
في كتب أدب الرحلات أعد الدهشات وأتجاهل المسافات.. السطور طرقات جميلة، والحروف أزهار ورياحين، والصفحات مدن وقرى، وتتخلل الجُمل فواصل من شوق، وعلامات تعجب من جمال مباغت، ونقاط من تأمل.
وعندما أصل إلى نهاية فصل وأستعد لقراءة الفصل التالي، أشعر وكأنني أجلس على شاطئ بحر بعيد، فينساب الماء بين أفكاري كما ينساب الحبر من بين أسنة الأقلام، وأرفع رأسي إلى سماء مدينة غريبة، فأشعر وكأنها تعرفني من زمن، وأنها ترغب في أن تحكي لي قصتها لأكتبها، وتأتيني الرغبة في الكتابة.
أنا لا أكتب لأتزين بالكلمات، ولا لأعلق على كتفي أوسمة البلاغة، لأنني ما زلت في بداية مشوار الكتابة الأدبية، ولكني أكتب لأن في صدري غابة إذا لم أفتح لها باب الورق اختفت، فبالكتابة تتفتح حروفي كأزهار الربيع، وعندما أكتب فأنا أجعل من الحروف أنغام ومن الكلمات موسيقي متدفقة كالسيل الهادر.
ومن خلال الكتابة أعيد تشكيل الطبيعة من حولي وأرسم جمالها بحروفي، فإذا أمسكت قلمي وبدأت بالكتابة ينطلق من بين كلماتي بلبل شجي يغرد مع أنسام الصباح، وتطير من بين سطوري فراشة لتتنقل بين الغصون المورقة، وتنبت من بين صفحاتي أزهار ترقص للنحلة السكرى، وحفيف صفحاتي يشبه حفيف أوراق أشجار تترقرق بالندى.
وعندما أكتب فإنني أسكب روحي في الحروف، وأقطف رياحين الجمال، والطبيعة من حولي تنبت وتزهر، والنهر ينساب بعذوبة بين جداول حروفي وكلماتي، والوديان تتحول إلى غابات من الحسن والجمال.
وعندما أكتب عن الحب، يرقص القمر على صفحة النهر، وتتفتح الورود في غير أوانها، وتغني العصافير بلا قيود، ويحتفل الكون مرتديا الغيوم ويتزين بقطرات الندى، وتتخضب الجبال بحبر القصائد وتتشقر بالفل والكاذي.
والحب في كلماتي يتمحور حول حبيبة شقية ومجنونة، هي الزوجة ورفيقة الحرف والعطر والزهور، والشريكة في الورود والنسمات والألحان والأضواء والنور والخيال الخصيب.. تمسك بيد حبيبها بين أبيات القصائد وكلمات الأغاني، وتداعب خده كنسمة ربيع ساحرة على أنغام بلابل الربيع.
وفي كتاباتي إذا أحببت تزهر في صدري حدائق لم تكن موجودة، وتصير نبضات قلبي كعصافير صغيرة تتدرب على الطيران.. يقول جلال الدين الرومي: "الحب هو الجسر بينك وبين كل شيء".. وأنا كلما أحببت، أشعر وكأنني أعبر جسورا خفية نحو العالم، ونحوها، ونحو نفسي.
يهمس فريدريك نيتشه: "في الحب شيء من الجنون، ولكن في الجنون أيضا شيء من العقل".. نعم، في الحب قد أصير مجنونا قليلا، أخرج من حسابات الربح والخسارة، وأدخل في حسابات الضوء والدفء والعطر والارتعاش، فالحب يعيد ترتيب الحروف في داخلي، ويجعل الليل أقل عتمة، ويجعل القسوة لينة.
وحين تمتلئ الروح قراءة وسفرا وحبا، لا تجد إلا أن تفيض بالكتابة كمتنفس وحيد عن مكنوناتها.
يقول ماركيز: "أكتب لأجعل نفسي محبوبا".. أما أنا فأكتب لأجعل نفسي مفهوما، لأجد من يلمس الجملة كما ألمسها، ومن يسمع في صمت السطور ما أسمعه من أنين خفيف.
الكتابة بالنسبة لي مصير، فإذا أمسكت بالقلم شعرت أنني أمسك بيد طفولتي، وبظل شبابي، وبأحلامي التي لم تتحقق بعد، وبطيشي المؤجل.. وعندما أكتب سطرا، أشعر وكأنني أزرع شجرة، ستمنح يوما ما ظلا لعابر سبيل أرهقه الطريق.
كما أنني أعشق الطبيعة بكل تضاريسها وتفاصيلها، فحين تضيق بي المدن أهرب إلى شجرة وارفة الظلال، أو قمة جبل شاهق، أو نهر عذب زلال، أجلس هناك وأصغي لهمس الكون وموسيقى النهر ورفرفة أوراق الشجر.
ففي الطبيعة لا حاجة إلى أقنعة، ولا زحام يشوش القلب، ولا ضجيج يفسد الفكرة.. هناك فقط أعشاب تنمو بصمت، وسحب تسافر بلا جواز، وشمس توزع ذهبها على الجميع بلا مقابل.. وفي الطبيعة أفهم أن الروح مثل زهرة، إن لم تجد ضوءا ذبلت، وأن الحب يشبه الزرع، إذا لم تتعاهده بالماء كل يوم يذبل وينتهي.
وهكذا تمنحني القراءة لغة غناء، ويمنحني السفر آفاقا جديدة، ويمنحني الحب دفئا خالدا، وتمنحني الكتابة صوتا شجيا، وتمنحني الطبيعة سلاما سرمديا، وكلها تمنحني نفسي.. فأنا أبحث عن لحظة صدق كاملة، وليس عن عالم متكامل.
وعندما تجتمع هذه الخيوط في نسيج واحد، أشعر أن حروفي ترفرف كفراشات ربيعية، تحط على أزهار المعنى، وتشرب من رحيق الحياة، ثم تعود إليّ، محملة بعطر يكفي لإقناعي من جديد أن الجمال، مهما توارى، ما زال ممكنا.
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك


