تقدمات الحوثيين في تعز... مكاسب تكتيكية مؤقتة أم ثغرات عسكرية؟

قال خبراء وباحثون إن التقدمات الميدانية التي حققتها جماعة الحوثي في عدد من جبهات محافظة تعز تمثل مكاسب تكتيكية مؤقتة، محذرين من تداعيات الخلافات داخل القيادات العسكرية وضعف الإسناد والتنسيق، في وقت اتهم فيه صحفي المجلس الانتقالي بمحاولة العودة إلى المشهد السياسي عبر تحركات ميدانية وإثارة التوتر في المحافظات الجنوبية.
وقال الخبير العسكري الدكتور محمد المقابلة، في تصريح لبرنامج «التاسعة» على قناة «المهرية»، إن التقدمات التي تحققها جماعة الحوثيين في بعض الجبهات لا تعني بالضرورة قدرتها على فرض سيطرة مستدامة، مرجعاً ذلك إلى اعتمادها على مجموعات قتالية صغيرة وخفيفة الحركة.
وأوضح المقابلة أن هذه المجموعات تستطيع قطع الطرق والسيطرة على بعض المواقع لفترات قصيرة، قبل توظيف ذلك في حرب نفسية من خلال الدعاية الإعلامية وبث اليأس في أوساط السكان.
وأشار إلى أن مواجهة هذه التكتيكات تتطلب استخدام الطائرات المسيرة والقوات البرية لاستهداف المجموعات الصغيرة وإجبارها على التراجع، مؤكداً ضرورة منعها من تثبيت سيطرة ميدانية مستدامة.
ودعا المقابلة إلى توسيع نطاق الضربات الجوية لتشمل مواقع القيادة والسيطرة في صنعاء وصعدة، مع التركيز استخبارياً على محافظة إب، التي وصفها بأنها تمثل قاعدة خلفية لإرسال التعزيزات باتجاه تعز.
ولفت إلى وجود ضعف استخباري واضح لدى القوات الحكومية، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى مؤشرات على حدوث اختراقات استخبارية في مراكز الثقل التابعة للحوثيين، خصوصاً في صنعاء.
وقال إن الأنباء المتداولة بشأن اعتقالات حوثية لمواطنين في صنعاء، وإن كانت غير مؤكدة بشكل كبير، قد تعكس وجود شبهات لدى الجماعة بشأن تعاون استخباري، بالتزامن مع استمرار الغارات الجوية على صنعاء ومواقع عسكرية ومخازن أسلحة.
وأكد المقابلة أن القصف الجوي لا يمكن أن يكون حاسماً بمفرده في أي معركة، لكنه يؤدي في المرحلة الحالية أدواراً استراتيجية، بينها التمهيد للعمليات المقبلة، وتشتيت مواقع القيادة والسيطرة الحوثية، وإجبار قيادات الجماعة على الاختباء، وقطع طرق الإمداد، خصوصاً في الجبهة الغربية وصولاً إلى باب المندب.
وأضاف أن الضربات الجوية تسهم كذلك في رفع معنويات القوات الحكومية وتوفير غطاء جوي للعمليات العسكرية المقبلة.
خلافات عسكرية سهلت تقدم الحوثيين
من جانبه، قال الباحث في مركز صنعاء للدراسات توفيق الجندي، إن خلافات بين قيادات عسكرية وضعف الإسناد أسهما في تسهيل تقدم جماعة الحوثيين نحو مناطق في مديرية التربة جنوبي تعز.
وأضاف الجندي، في تصريح للبرنامج نفسه، أن الحوثيين تقدموا بصورة متسارعة عبر مناطق جبلية وعرة وصعبة الاتصال، بعد محاولات استمرت فترة طويلة للوصول إلى جبال راسن ويرداد والمناطق الغربية والجنوبية.
وأوضح أن الأهالي في تلك المناطق قاوموا تقدم الحوثيين دون إسناد كافٍ، قبل أن تسهم خلافات داخل القوات العسكرية في تسهيل وصول الجماعة إلى أهدافها.
وأشار إلى وجود خلافات بين القياديين أبو بكر الجبولي ويوسف الشراجي، موضحاً أن الأخير عُيّن قائداً لجبهة تعز ومشرفاً عليها، إلا أن أوامره العسكرية، وفق قوله، لم يتم التعامل معها من قبل قيادات في محوري تعز والباحة.
ولفت الجندي إلى وجود حديث عن نقص في الذخائر والأسلحة، لكنه قال إن الوحدات العسكرية كانت تمتلك ما يكفي، على الأقل، لبدء عمليات عسكرية، معتبراً أن الالتزام بأوامر قائد الجبهة كان من شأنه تعزيز الموقف الدفاعي.
وقال إن ما حدث يبدو أقرب إلى خلاف شخصي منه إلى خلاف عسكري، معتبراً أن سقوط مناطق بيد الحوثيين نتيجة خلافات بين قيادات عسكرية يمثل أمراً بالغ الخطورة.
ودعا الجندي إلى مراجعة ما حدث في الجبهات اليمنية خلال السنوات الماضية، وإجراء تحقيقات في أسباب سقوط مناطق مثل نهم والمخا، والاستفادة من تلك التجارب في العمليات المقبلة.
وأضاف أن جماعة الحوثيين أعلنت عملياً التعبئة العامة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وعملت منذ ذلك الوقت على الإعداد والتدريب وتراكم القدرات، مشيراً إلى أنها نقلت أشخاصاً من مناطق راسن والقريشة ومناطق أخرى تشهد المعارك الحالية إلى صعدة وصنعاء، حيث تلقوا دورات عسكرية قبل إعادتهم إلى مناطقهم.
وأكد أن الحرب لا يمكن أن تعتمد فقط على إعلان بدء العمليات العسكرية أو التعبئة العامة، وإنما تحتاج إلى إعداد اقتصادي ومجتمعي وأمني واستخباراتي، إلى جانب الاستعداد العسكري وتوحيد القيادة والسيطرة.
وحذر الجندي من أن سيطرة الحوثيين على التربة ثم هيجة العبد وما بعدها قد تتيح لهم فرض سيطرة نارية على أجزاء من محافظة لحج، مشيراً إلى أن العملية العسكرية في تعز «شديدة الصعوبة».
وأوضح أن الجماعة تعتمد على مجموعات صغيرة وخفيفة الحركة تتقدم عبر مناطق وعرة لا تصل إليها المدرعات والعربات، ثم تترك حاميات محدودة في المناطق التي تسيطر عليها، ما يجعل استهدافها بالطيران أكثر صعوبة، خصوصاً عند وصول المقاتلين إلى المناطق السكنية.
وأكد أن مواجهة هذا التحرك تحتاج إلى قيادة عسكرية موحدة وخطة واضحة، إلى جانب قوات خفيفة قادرة على التحرك في التضاريس الجبلية الوعرة.
الانتقالي يحاول العودة إلى المشهد
وفي سياق متصل، قال الصحفي رمزي الفضلي إن المجلس الانتقالي يحاول العودة إلى المشهد السياسي «بأي طرق»، سواء من خلال إثارة الفوضى في عدن والمناطق الجنوبية أو عبر إثارة النعرات من وقت لآخر.
وأضاف الفضلي، في تصريح لبرنامج «التاسعة» على قناة «المهرية»، أن عودة عدد من قيادات المجلس الانتقالي إلى عدن خلال الفترة الأخيرة، بينها صلاح الشنفرة، تأتي في إطار تحركات لإعادة ترتيب المشهد الداخلي في المحافظات الجنوبية.
وأشار إلى أن هذه التحركات جاءت عقب زيارة منصور بن زايد إلى السعودية، معتبراً أن هناك تفاهمات جرت بعيداً عن العلن بشأن إعادة بعض الشخصيات المحسوبة على المجلس الانتقالي إلى المشهد.
وقال الفضلي إن هناك أطرافاً داخل المجلس الانتقالي لا تزال متشددة في موقفها، ولا تؤمن بالحوار أو بالتفاهمات التي تجري في الرياض، مشيراً إلى أن الحكومة اليمنية والسعودية تخشيان من أن تؤدي أعمال الفوضى الداخلية إلى إرباك الوضع في ظل الاستعدادات العسكرية ضد الحوثيين.
وتطرق إلى رفض قيادات محسوبة على الانتقالي للمجالس التنسيقية التي أعلن عنها وزير الشباب والرياضة نائف البكري، متسائلاً عن طبيعة الخطوات التي قد تتخذها هذه الأطراف لإسقاط تلك المجالس، وما إذا كانت الدعوات الموجهة بهذا الشأن قد تقود إلى توترات أو اشتباكات جديدة في عدن.
كما أشار الفضلي إلى عودة عدد من القيادات الجنوبية إلى عدن، بينهم أبو زرعة المحرمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، معتبراً أن عودته تضعه أمام اختبار يتعلق بموقفه من الدولة والحكومة والتحالف العربي.
وقال إن المطلوب من هذه القيادات، وفق تعبيره، الوقوف إلى جانب مؤسسات الدولة والتحالف العربي، وعدم تكرار التجارب السابقة التي أدت إلى خروج بعض قيادات الانتقالي عن التوافق مع الحكومة والتحالف.
وفي المقابل، توقع الخبير العسكري محمد المقابلة أن تلجأ جماعة الحوثيين إلى خيارات عسكرية للرد على التصعيد، معتبراً أن طبيعة ردها خلال الساعات والأيام المقبلة ستكون مؤشراً على مدى نجاح الضربات الجوية في تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وأوضح أن تصعيد الحوثيين باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لاستهداف العمق اليمني، بما في ذلك مأرب وحضرموت والمهرة، قد يشير إلى سعي الجماعة لتخفيف الضغط على صنعاء.
وأضاف أن تصعيد استهداف المصالح والمنشآت السعودية في العمق السعودي سيكون مؤشراً آخر على محاولة الحوثيين ممارسة ضغوط بهدف تخفيف الضغط العسكري على صنعاء.
وأكد أن طبيعة الخيارات التي ستتخذها الجماعة خلال المرحلة المقبلة ستوفر مؤشرات مهمة لتقييم النتائج الاستراتيجية التي حققها كل طرف في مختلف الجبهات.
المصدر: قناة المهرية





